خيوط في الظلام

 

الجزء الثاني: خيوط في الظلام

في صباح اليوم التالي، كان مكتب الرائد خالد منصور يعج بالنشاط. صور ليلى أحمد كانت معلقة على لوحة التحقيق، محاطة بأسئلة لا إجابات لها. كان خالد يحدق في صورتها، محاولًا قراءة ما وراء ابتسامتها الهادئة. كانت تبدو كشخص لا يمكن أن يختفي بهذه الطريقة، كشخص لا يملك أسرارًا تستدعي الهروب أو الاختطاف. لكن خبرته الطويلة علمته أن المظاهر غالبًا ما تكون خادعة، وأن أعمق الأسرار قد تختبئ خلف أكثر الوجوه براءة.

بدأ خالد وفريقه في تحليل البيانات الرقمية التي تركتها ليلى وراءها. كان هاتفها المحمول وجهاز الكمبيوتر الخاص بها كنزًا من المعلومات المحتملة. فحصوا سجل المكالمات، الرسائل النصية، رسائل البريد الإلكتروني، وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي. لم يجدوا أي شيء غير عادي في البداية. كانت محادثاتها مع الأصدقاء والعائلة طبيعية، ورسائل عملها كانت احترافية ومنظمة. لم تكن هناك أي رسائل تهديد، أي محادثات غامضة، أي شيء يشير إلى وجود خطر وشيك.

لكن بعد ساعات من البحث الدقيق، وجد أحد المحققين شيئًا مثيرًا للاهتمام. في سجل المكالمات المحذوفة، كان هناك رقم غريب تم الاتصال به عدة مرات في الأيام التي سبقت اختفاء ليلى. كان الرقم غير مسجل باسم، وعندما حاولوا الاتصال به، وجدوه مغلقًا. كان هذا أول خيط حقيقي في القضية، أول دليل على أن حياة ليلى ربما لم تكن بالبساطة التي تبدو عليها.

في الوقت نفسه، كانت سارة، صديقة ليلى المقربة، تجلس في غرفة التحقيق، تحاول تذكر أي تفاصيل قد تساعد الشرطة. كانت عيناها حمراوين من البكاء، وصوتها يرتجف من القلق. سألها خالد عن أي تغييرات لاحظتها في سلوك ليلى مؤخرًا. ترددت سارة للحظة، ثم قالت بصوت خافت: "في الأسابيع الأخيرة، كانت تبدو مشتتة بعض الشيء. كانت تقول إنها تعمل على مشروع شخصي مهم، لكنها لم تخبرني بتفاصيله. كانت متحمسة جدًا له، لكنها كانت أيضًا قلقة ومتوترة. اعتقدت أنها مجرد ضغوط عمل، لكن الآن... الآن لا أعرف".

أثار هذا الكلام اهتمام خالد. مشروع شخصي غامض؟ هل يمكن أن يكون له علاقة باختفائها؟ طلب من سارة أن تصف طبيعة عمل ليلى، وعلاقاتها بزملائها. أخبرته سارة أن ليلى كانت تعمل بشكل مستقل، لكنها كانت تتعاون أحيانًا مع مصممين آخرين في مشاريع كبيرة. ذكرت اسم أحمد، زميل ليلى الذي كان يعمل معها على مشروع مؤخرًا.

استدعى خالد أحمد للتحقيق. كان أحمد شابًا في أواخر العشرينات، يبدو عليه التوتر والقلق. قال إنه كان يعمل مع ليلى على تصميم موقع إلكتروني لشركة عقارية كبيرة. كان آخر اتصال له معها في مساء يوم اختفائها، حيث أرسلت له نسخة نهائية من التصميم. لم يلاحظ أي شيء غريب في سلوكها. كانت تبدو طبيعية، كعادتها.

لكن عندما سأله خالد عن المشروع الشخصي الذي ذكرته سارة، تغيرت ملامح أحمد. قال إنه لا يعرف شيئًا عن أي مشروع شخصي. كان يعتقد أن ليلى كانت تركز بالكامل على عملهما المشترك. لكن خالد لاحظ نظرة سريعة من الارتباك في عينيه، وكأنه يخفي شيئًا ما. ضغط عليه خالد أكثر، لكن أحمد أصر على أنه لا يعرف شيئًا.

لم يقتنع خالد بإجابات أحمد. كان يشعر أن هناك شيئًا ما وراء هذا المشروع الغامض، وأن أحمد قد يكون على علم به. قرر أن يضع أحمد تحت المراقبة، وأن يبحث بشكل أعمق في علاقات ليلى المهنية. ربما كان هناك منافس غيور، أو عميل غير راضٍ، أو شريك عمل يخفي أسرارًا.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، تلقى خالد تقريرًا من قسم الطب الشرعي الرقمي. تمكنوا من استعادة بعض الملفات المحذوفة من جهاز الكمبيوتر الخاص بليلى. كان معظمها مسودات لتصاميم قديمة، لكن كان هناك ملف واحد لفت انتباههم. كان ملفًا مشفرًا، محميًا بكلمة مرور قوية. لم يتمكنوا من فتحه، لكن اسم الملف كان غريبًا: "الظل الأسود".

"الظل الأسود". ما الذي يمكن أن يعنيه هذا الاسم؟ هل هو اسم مشروعها الشخصي؟ هل هو رمز لشيء ما كانت تخافه؟ أم أنه مجرد اسم عشوائي لا معنى له؟ كانت هذه الأسئلة تدور في رأس خالد وهو ينظر إلى اسم الملف على شاشة الكمبيوتر. كان يشعر أنه يقترب من شيء مهم، أن هذا الملف المشفر قد يكون المفتاح لحل لغز اختفاء ليلى أحمد.

أمر خالد فريقه بمحاولة كسر كلمة المرور، مهما كلف الأمر. كان يعلم أن الوقت يمر، وأن كل دقيقة تأخير قد تعرض حياة ليلى للخطر. في الوقت نفسه، قرر أن يعود إلى شقة ليلى مرة أخرى، ليبحث عن أي شيء قد يكون مرتبطًا بكلمة "الظل الأسود". ربما هناك كتاب، أو ملاحظة، أو رسمة، أي شيء قد يساعدهم في فك الشفرة.

عاد خالد إلى الشقة الصامتة، وبدأ في البحث من جديد. هذه المرة، كان يبحث عن شيء محدد، عن خيط في الظلام. فحص الكتب على الرفوف، الأوراق على المكتب، الرسومات على الجدران. لم يجد شيئًا. ثم، بينما كان يتفحص مجموعة من دفاتر الرسم القديمة، وجد شيئًا لم يلاحظه من قبل. في زاوية إحدى الصفحات، كانت هناك رسمة صغيرة لشخصية غامضة، ترتدي معطفًا أسود وقبعة تخفي ملامح وجهها. تحت الرسمة، كانت هناك كلمة واحدة مكتوبة بخط صغير: "الظل".

شعر خالد بقشعريرة تسري في جسده. هل هذه مجرد صدفة؟ أم أن هذه الرسمة هي الدليل الذي كان يبحث عنه؟ التقط الدفتر، وعاد إلى مكتبه، عازمًا على كشف الحقيقة وراء "الظل الأسود"، وإنقاذ ليلى أحمد من الظلام الذي ابتلعها.


تم النشر بواسطة: مدونة خواطر مزمل

تعليقات